9‏/6‏/2015

رسالة إلى صديقة حمقاء : أن يكون الآخر عُصابياً

  صديقتي الحمقاء جداً ....  

  أما بعد, فإنني قد وجدت الوقت والراحة والصفاء كي أشقّ جوف الليل لأتقيّأ لكِ كل شئ كان هنالك بيننا. من باب أن هنالك شئ في هذا العالم يسير بشكل عادل. حيث أنني لم أفلت تلك الليلة من عدة جيوش من الناموس لا تقل عدداً وتسليحاً عن الجيوش التي دخلت برلين في عشية زواج جدي الثاني.
  وقد قبعت في مكاني (الذي تعرفينه) ستة عشر ساعة كاملة لا أجد شيئاً تحملني أخلاقي على القيام به سوى النوم والاستمناء.
  ولكنني على كل حال بدأت أفقد السبب الأخلاقي الذي كان يحملني على النومِ حملاً جميلا؛ وبدأ النوم في عملية تحوّل تدريجية إلى خانة تلك الأمور المُغالية في واقعيتها للحد الذي يجعلني لا أقبلها ولا أستطيع –بالتالي- التعامل معها.
  ثم بعد كل ذلك الهراء اليوميّ ونفاذ كل المحاولات التافهة الجادّة لقضاء وقت يليق بإنسان قديم, لم أجد شيئاً أشد وضاعة من أن أكتب.
  وعلى الرغم من أنني أُقدّس بشدة قدرة الإنسان الخارقة على التدوين, وبنيانه لماكينات مجهزّة بطرق مختلفة للسفر عبر الزمن بأبعاد مختلفة من خلال الكلمات, إلا إنني بالفعل أجد كتابتي أمر وضيع, الأمر الذي قادني إلى مسار لذيذ :-
  وهو أنني مزقت كل كلمة جادّة ونبيلة وحقيقية قد دونتها عن حياتي, وقررت أن انشغل بكتابة كل ما هو وضيع وعابر وقويّ في احتلاله تلك المرتبة في وجداني.
  وقد لا تعرفين أن الحضارة بدأت من عندي, نصف ساعة بسيارة ذات حالِ ميسور ونصل إلى "أبيدوس", حيث جرت أول عملية تدوين للكلمة في التاريخ.
  وكي لا ينام ضمير العالم بارتياح, لابد أن تكوني على علم بأن وسيطاً في هذا العالم كان قادراً على نقل وحمل وإرسال واستقبال مشاعري من وإلى كل أنحاء المعمورة لم يوجد ولم يتوفّر, إلا الكلمات.
  ولذا, فأنا مدينٌ فقط لعملية نشأة الحضارة, تلك البداية الساحرة, الكلمات, وليس لأي شيئاً آخر, ولا للحضارة نفسها. على أنها هي التي اصطنعت بعد ذلك كل الألم الذي نحمّله للكلمات الآن...
  ولكي تكون لديكِ الصورة في أتم تصوير, فإنني أيضاً أبحث منذ مدة عمّا إذا كان ما دونه أجدادي في أبيدوس, ناحيتنا, ناحية البر الغربي للنيل, في أول مرة كان شيئاً جدياً وحقيقياً ونبيلا؟ أم أن سليقتي المصرية البضّة لم تُخطئ كعادتها, وأن تدويناتهم كلها قد كانت فقط عن كل تلك الأشياء الوضيعة التي نتجاهلها بغير نزاهة في حياتنا اليومية؟؟..
  بل وسأزيد على كل ذلك, بأنني قد ساهمت لمدة كبيرة في خنق ذاتي وحبس أنفاس التطلّع لكل تلك التفاصيل المضحكة في حياتي بإقحام منطقي في بذل مجهود قاسي كي يقوم بفرز الأحداث على النحو التالي:-
 ما الذي يستحق أن أتكلم عنه, وما الذي لا يليق بهذا الشرف؟؟
  وقد وجدت أن الكلام الجديّ سخيف للغاية, بل إنني وجدته أشد بروداً من ذلك, وجدته كلاماً ساكناً لا يتحرك ولا يتغير لونه,, فتخيلي يا حُلوتي, أن تقومي أنتِ بكتابة نصوص ميتة بهذا الشكل, لا تستطيع أن تغير لون أول حرف بدأت به, وليست فيها من الحياة الوضيعة (الواقعية) ما يثير كلماتها ويجعلها تتحرك أمام أعين (القارئين).
  الإنسان يحب الحركة, والميت فقط هو ما تتجمد رأسه نحو سطر واحد. ولذلك, فإن وضاعة شأن كل ذلك الذي كان بيننا, وتفاهته المفرطة في الحركة, ولا معنى كل ما حدث, من أفضل المثيرات التي تُفضّلها الحروف, ويُفضّلُها القراء. ولذلك, وأكثر, فإنكِ ربما لا تستحقين أكثر من جلسة واحدة لا تستمر لأكثر من ساعتين للكتابة عنكِ...
  وعلى الرغم من تأكيدي على وضاعة كل ذلك الذي كان بيننا, إلا إنني أعترف أن موقفين أخيرين فقط ساهموا في إصابتي بشلل عقلي لطيف, حيث أنني أدركتُ أن الأمر كله يدور حول "سوء التربية". وأن "الأطفال" لا يُمكِن أن نتحمّل في علاقتنا معهم, بل إن الأطفال كائنات مباشرة وغير دفينة...
  إن الطفل إذا ما أحس بأقل قدر من الإهانة أو الخوف لطَفِقَ بالصراخ أو بادر بالبكاء, وإن منبع مصداقية الطفل يأتي من سرعة تجسيد وجهه لانفعالاته ضدك, وبالتالي, فلو كنتِ طفلة لكان الأمر أشرف من تلك الوضاعة التي عاشرتها معك في آخر مرتين. لقد كُنتِ لئيمة للغاية, ولو سألتِ مليون شخص نبيل ما هو أشد سلاح يُمكن أن يطعنك به شخص ما سيقول بسليقته العفوية بلا تردد: اللؤم.
  واللؤم عندك في انعدام قدرتك على المواجهة, لا, ليست المواجهة, إن الضعف يُمكن غفرانه أو تفهم ظروفه إن وجدت, ولكن انعدام قدرتك على الصراحة لهي طفولة مقززة في هاته السن,, ولأن الأطفال هم عبارة عن كائنات لا يمكن توقع انفعالاتها أو التحكم فيها, لأن الدخول معها في مسألة عاطفية هو محض إيقاع للذات في تهلكة الاضطراب, فأنتِ طفلة من الصعب الإلمام بطبيعتها,, وذلك لأنه ليس لكِ طبيعة من الأساس, الأمر الذي جعلني أدخل على صفحتك على الفيس بوك, وأحبس أنفاسي وأنا أقرأ كل كلمة عندك, استشعر اضطراب لا معنى له , بل, لقد استشعرت اضطرات هذا العالم المخيف, وتسامحه مع كونه مسخاً, وتقيأت , ثم , ضغطت على زرّ البلوك, وتنفست أحلى وأطعم نفس قد تخلل ثنايا رئتيّ.....,,  حتى إن لسانك لم يتحدث إلى شئ بداخلي, بل ولم يظهر لي قطّ. وأن أعتقد أن الأنثى التي لا يظهر لسانها ليست أنثى بالأساس, وإنما تركيبة بيولوجية معينة, وهذا صحيح!.
  تسرقين الموقف كله لحسابك!! تفهمين ما تفهمين, وتتخذين موقف كامل, تضمريه في وجهك ليتحول بالعبوس إلى لوحة عالمية من  خراء الشعوب على مر التاريخ, وتنتظرين من الآخر أن يفك ألغاز ذلك "الخراء" المرتسم على وجهك, ثم, يتضرع للغفران. إنني لن استمر في النقد أو وصف تلك السذاجة التي عرفتها فيك, ولكنني سوف أقول ما يُلخّص الأمر كله وهو أعظم ما يمكن التصريح به عن كل ذلك الذي كان: وهو أنكِ عديمة الفلسفة.

22‏/2‏/2015

إلى قطتي

عزيزتي المؤلِمة : سارة القطة
لن أجرؤ حتى أن أقول لكِ أنني كنت حيواناً كل تلك الفترة التي قضيتها معك؛ لأن الحيوانات لم تُصَب بالجرعة الوحشية للحضارة البرجوازية التي زُرعت في جيناتنا البشرية الحديثة. فـ"عُكْش" مثلاً, كلبُ أخي اللطيف الشاعريّ ذو حِس الحماسة المُرحِّب والمُحبّ, لو قُدّر له أن يتعرّف عليكِ لأظهر لكِ الحب والإهتمام والمؤازرة والسلوى أكثر مني أنا. حتى في مرضك الذي لا يتحمله البشر. وأريدُ أن أودِع عند مُقدمة وجهكِ الحزين الرتيب دموعي وتوسّلاتي الخاشعة كي تسامحينني على أخلاقياتي التي لا تليقُ إلا بكائن بحديقة حيوان تتغيَّر فيها طبيعة الحيوانات النبيلة, واعتذاري على وجهي العابس طوال الوقت (على الرغم أن وجهكِ كان على الدوام الأكثر عبوساً), لكن, ربما كنتِ فقط تعكسين وجهي في كل مرة أحاول أن أنظر لكِ فيها. حتى في تلك الأوقات التي كنت أحاول فيها اللعب معك وأبدو سعيداً أو طِفلاً, كُنتِ تعكسين وجهاً أكثر عبوساً عن ذي قبل. وعلى الرغم من كل ذلك فأنا أقدم لكِ قرباني هذا :-
أنني سأصدق انعكاس بؤسي في عينيكِ المتلونتين, وأكذّب حتى حالاتي المزاجية حتى لو كنتُ متيقناً تمام اليقين في تلك الأوقات أن وجهي يعكس بعض البهجة والمرح....
أريدُ منكِ فقط أن تفهمي ظروفي كلها ظرفاً ظرفا. وإن أشدّ ما يؤذي كرامتي هو أنني أعلم أنكِ تعلمين كل شئ, وتُدركين حالتي في ذاتي ووضعي في الواقع وظروفي الكلية المتحكّمة في هذا وذاك, في حين أن ملامحك لا تزال في منتهى العبوس, حتى عند طلبك للأكل. لا وجه مُهتم. لا وجهُ مُعزّي. لا وجه ساخر. فقط تلك النظرة العابسة التي لا تُلقي إلا اللعنات الصامتة على ألمي. أريدُك أن تغضبي وألا تحاولي حتى فهم ما أنا فيه. غضب على الحياة في بيت مُترب بدل من الحياة في شقة عصرية بالجيزة. غضب على إهمالي الخسيس لك. غضب على أنني أتألم بالليلِ وحيداً. وعلى الرغم أنكِ تشهدين على كل ذلك القلق وتلك الكوابيس لحظة بلحظة ولم يفوتكِ شئ, فأنكِ لم تُبدين أية انفعال تجاه ذلك... أريدُ أن أرى –للمرة الأخيرة- انعكاس غضبك على وجهك والتكشير عن أظافرك التي تقضين السهرة كلها بجواري في صقلها وجذبها جيداً بلا فائدة ولا استخدام!. وبعد ذلك سأتركك.
ثم ما يؤلِمُني حدّ النزيف الصديدي (من تلك البثور المثيرة جنسياً إذا ما آلمتني. والتي كُنتِ سبباً في ظهورها على جلدي),  ليس أنني أعلم أنكِ لن تُجيدي التصرف إذا ما تركتُكِ هكذا في العراء, ولكن هو أنكِ تُكابرين ولا تحاولين تغيير وجهك المُتقزز مني (أو هكذا أشعر, أنكِ مُتقززة مني فحسب) وتُبدلينه بوجه مُتوسّل. توسّلي لي يا سارة. تمسّكي بي حتى عندما تُعبّر طبيعتي عن همجيتها وجنونها المُتعب.
أنتِ تعلمين جيداً تقديسي لكلام الأطباء, وتقززي من بعضهم. إنني لا أتخيّل هيئة رجل أو امرأة وراء مكتب هكذا لمدة سنين؛ يكررون على المرضى نفس الكلام, نفس التشخيصات, ونفس العلاج, بشئ من القرف ممزوج بالملل, والشعور بالقهر المُقنَّع بالرضا. على الرغم من أن ثوريتي النفسية المُفرطة في رعونتها قد حببتني خِلسة في الإستقرار, لكنني إن وقعت في حب شئ, لا أكمله. والإستقرار لا يبدو بتلك المتعة في ظاهره. إنه فقط يعطينا المساحة القاتلة كي نتقزز جيداً من المعنى الحضاري الحديث لكونك على قيدِ الحياة, ولن يُجدي كلام دوستويفسكي عن اكتشافه لمعنى أن تكون على قيد الحياة نفعاً, حتى لو كان عدمياً قبل هذا الكلام؛ كالحديث عن وجودِ الله من قِبَل مُلحِد سابق مثلاً..  , أو, كي نفتعل في ظل هذا الإستقرار المسلسلات ونختلق شواخص تدرأ أي حقيقة عن الضمير الساديّ الذي بداخلنا والذي لا نعرف هويته ولا نجرؤ على البحث عن تلك منشأه حتى... ههه.
ولكن على الرغم من كل ذلك فأنتِ تعلمين تقديسي لكلمة الطبيب, ويا حبذا لو طبيبة, وحلوة كمان. أستطيع –وحدي- أن أصل إلى نقطتها الشّبِقة, وأن أغرز في صدرها نزعة لتكسير كل تلك الأغلفة الصلفة التي تكرهها ولكنها تحترمها بل وتتمسّك بها,, ثم بعد حدوث الإنفجار, تلجأ لي. وان لم يحدث أي من ذلك, يُمكنني حتى أن أذوق مُتعة مُحاولة جرّها للسرير. وهذا لا ينفي حتى احتمالية تقززي منها, الأمر الذي يعطيني قوة التقزز من شئ احترمه. ياه!! أشعر بالفخامة يا قطتي. بأنني ملك. ملك أعزل من كل إنجاز على مجموعة من المُقززين دون المستوى.
وقبل أن أنجر إلى حديث البشر المقزز عن الحب, سأقول لكِ كم أحبك. وكم أن هذا الحب قد كلفني الكثير؛ مثلاً : أن أهرش في كل جسمي بلا هوادة. وأن أشعر أنني وضيع لمجرد شعوري بأنكِ غير كافية لي وبأنني بكل تلك السمات التي أحملها والثقافات التي يلعبها عقلي  وسجالات الحب والكره التي خضتها من "منيا القمح" إلى "دار السلام" لا أستحقّ قطة ذات لون ...... ذات لون لا لون له! . حتى إن البسطاء من قريتي قد عبروا عن هذا المعنى عندما وقعت أعينهم عليكِ وأنتِ تنسحبين من زحام المندرة. بل وقالواْ أنكِ "عِفْشة". وهل أنا عِفِشٌ حتى تكون قطتي عفشة؟ هذا ظلم, ظلم بيّن. وإنني كنت على استعداد لتحمّل حكّة جلدي حتى النزيف على أن يُشاع في القرية أو خارجها أن الباشمهندس لديه قطة عفشة, وبأن هنالك انحطاط داخليّ في حياته يخفيه وقد كشفته هاته القطة بقبحها وانحطاط شعرها وحجمها الضئيل وسلوكها البارد.
واستكمالاً لحلقة الإدانة سأعترف لكِ بأنني اشتركت في جريمة إدانتكِ بالجرب من خلال صمتي عن الدفاع عنكِ. لقد كان مصدر تلك الحكة التي كنت أعاني منها طوال كل تلك الأيام الفارطة حساسية مني تجاه القطط بشكل عام. هكذا أخبرتني الطبيبة. وليست براغيث تنتقل منكِ إليّ. على الرغم أنني قد قضيت شهراً على الأقل وأنا أكره ذاتي بسبب هذا الأمر. هذا أنني كنت طوال ذلك الشهر أعتقد بأنني قد أُصِبت بالجرب. وعلى الرغم من أن فتاة ذات نهدين نافرين وكبيرين, شيك, نظيفة, لها باع عظيم في ملبس الأنثى ونعومة ما تحت الملبس قد اعترفت لي مرّة بأنها قد أصيبت بالجرب من عائلتها وبأنها قد عولجت منه بعد ذلك, إلا أنني لم أنظر إليها إلا بعين الاحترام ذاتها التي كنت أنظر بها لها قبل معرفتي بأمر إصابتها بالجرب, ولكنني احتقرت نفسي فور ما بدأ شعوري بالحكّة يظهر. وأن شيئاً في لغتنا العربية أو غيرها يُمكن أن يصف شعوري في تلك اللحظات التي أشعر بها بحاجتي لحكّ جلدي لا يوجد. حتى إنني من شدة شعوري بالوضاعة واستحقار نفسي في تلك اللحظات كنت أبكِ وأنا ثابت على مكتبي... ولم ينتبه أحدهم ولا حتى أنتِ أيتها الجرباء اللعوب..
ولم يكن الألم المعنويّ نتيجة لحزني على أنني مصاب بشئ ما, ولكن لأنها حلقة إضافية تُخبرني أن فاعليتي انتهت, وأن جسدي يبتذل الحياة ولا يعيشها. وبتلك الطريقة عِشت شهراً من أسوأ الفترات في حياتي. كنت بالليل إذا ما صعدت لغرفتي بالطابق العلويّ, وأتيتِ أنتِ خلفي كالعادة, أجلس على السرير, فتطفقين تفردين شعرك بلسانك, وأشعر بتلك الأجسام الخفية المتسللة إلى جسدي, فأتجاهلها إنقاذاً لكرامتي أمام ذاتي, ولكن شعور الحاجة الملحة كي أحكّ جسدي يقتلني, ثم, أحك جلدي كله من القدم إلى قمة رأسي, حتى عانتي .... أنظرُ إليكِ, تتوقفين عن لعق جسمك لبُرهة وأنتي تبحلقين مثلي في عينيّ. أرى فيكِ نظرة متغطرسة لامبالية ومدركة لكل ذلك. أكرهك. في تلك اللحظة أضمر لكِ من طاقة المقت والكره أكثر من أي لحظة أخرى.
وبذلك قررت أن أفكر في إحالتك لأي جهة بعيدة عني. لا أعلم. أسلّمك لكلب مثلاً, أو لأطفال القرية المجانين, أو أودعك في أول قطار متجه إلى الشمال السعيد المُبهرج,,, أو,,, أو أتركك هنا لأن شيئاً من حياتي أو حياتك لن يتغير بأي فعل أحمق يمكن أن أقدم عليه بسبب كل ذلك.
وأحب أن أخبركِ أن غطرستي وشعوري بالعلوّ لهما أثر بالغ في قراري هذا, حتى أنني لم انتظر أن تكون نصيحة البُعد عن القطط من طبيبة جميلة أو جذابة جنسياً, وأخذتها من طبيبة عادية جداً, ومقززة جداً في هيئتها العادية تلك, لقد تخطت الأربعين تقريباً وهي أخصائية في الحكومة!! آه, كنت على وشك الإغماء عندما رأيت حالتها تلك.. إنني... إنني فعلاً أرقى من كل تلك الطحالب.
إلا أنني سوف أتمسك بك لسبب أكثر فاعلية من كل تلك الصراعات التي لم ولن يعتد به أحدهم, والتي ستظلّ معي وحيدة,,, والسبب هو أنني مضطرّ الآن لأن أتعارك مع الطبيب القذر الذي شوه جلدك. بمجرّد ما دخلت من بوابة المنزل, ورأيتُ أبي وأمي حولكِ, تأخذهم الشفقة, أدركتُ أن ثمة شئ ما قد حدث. ثم نظرت لجلدك الرقيق!! آه, بكيت. بكيت طويلاً يا سارة. ربما ساعة أو ساعتين قبل أن أتماسك وأسأل أبي عمّا حدث. قال لي أن ذلك الطبيب البيطري الذي يُشبه رأسه إحدى مؤخرات الجاموس الذي يعبث بها كثيراً, الطبيب الجاهل القذر الذي لا يتحدث الإنجليزية حتى!! قد نصح أبي بتحميمكِ بذلك السائل الكاوي كي يُخلصكِ يا حبيبتي من تلك البراغيث المُحتملة. وها هو يُخلّصك فقط من جمال وطول شعرك.. إنني أحببته الآن بعد سقوطه. ولكنني عدت مرة أخرى إلى غرفتي بكل وقار, وأخذتُكِ معي, وطفقت أبكِ بمنتهى الحرارة, ذلك أنني شعرت أن ذلك القدر قد حدث بتدبير ما كي ينتقمُ لي منك...
كيف...!!
كيف يا الله!!!؟

كيف تدع القدر ينتقم من قطتي لي؟؟ إنني إنسان. وإنني قادر على أشياء مهولة لا تقدر عليها قطة ضعيفة هزيلة ذات وجه عابث وأغراض فسيولوجية بسيطة من الحياة!! ما الذي فعلته ذلك يا رب؟؟ لماذا لا تحرق جلدي أنا وحرقت لها جلدها.. يا رب.. سوف أحتفظ بها وأُعالجها.. يا رب .. إنني غير راضِ على الإطلاق بتدابيرك الوحشيّة تلك, ولسوف أُعالجها وأحتفظ بها وأحبها أكثر من ذي قبل.. وإن لم ترض عن ذلك –جلالتك- فلتحرقنا معاً.

https://instagram.com/p/y6zID9qfHP



محمد بطيخ
21-2-2015

31‏/12‏/2014

تعويم الذات



  لولا, لا أحتمل التجوال في نفس الشوارع مرة أخرى. اعتدت على ذلك عندما كانت تلتهم أحلامي ثم ترميها عند أول درجة لصعود الميكروباص, لكنها الآن تلفظني. لماذا؟ لأنني أقلق لتحضير وجبة غداء مناسبة. حسناً, سأتوقف عن الكتابة. 
اسكتش للفنان عماد أبو جرين, إهداه لي في 30 ديسمبر 2014
لولا, لا أستطيع سماعك الآن, نهائياً. تتكلمين منذ دقيقتين وأنا لا أعِ شيئاً, حسناً, سأغلق الهاتف الآن, أنا آسف, وبالنسبة لك, فبداخل أعماقك تُدركين جيداً ما أنا فيه: أنني لا أرى شيئاً إلا الخراب بداخلي. إننا نستمع بإنصات لتلك الأشياء التي تتكلم مثل لغة أعماقنا, ولذا, فإنني لا استمع إلا لنحيب الأطفال, ليلاً وفجراً وصباحاً وبعد إنهاك لعب العصر. إنني أشعر بالتعب, التعب الذي يشبه الخوف, بل إنه قطعة من جحيم الخوف. وأعيش منذ أيام لعنة, لعنة موسميّة, اعتدتها منذ أن اندرجت في أول سنة من سنين التعليم الأساسي. شبابي الآن الذي يذبُل أمامي بلمحة من العبث الغير مفهوم. لديك خيارين في البيئة القروية : أن تكون كائن أسطوري أبيض مجنّح بالعلم والغار يكلل رأسه كالأبلَه المبتسم بشكل مستمرّ كالذي تسلّم وثيقة "رضا عنه ورضوا عنه", ولذلك فإنني لا أستطيع الابتسام كثيراً, يُمكنني أن أضحك, وحيث الضحك هو تعبير فسيولوجي كالجنس, أو انفعالة عابرة على شئ ما, فإنني أضحك لكنني لا أبتسم؛ وأنا أستطيع أن أرى علامات الاستفهام على وجهك (وأنتِ في الناحية الأخرى من الهاتف) وهي تتسائل : لماذا لا تبتسم على الرغم من إلقائي دعابة واقعية خاصة جدا؟؟. لكن, أنتظري, سأقول لكِ شئياً صادقاً أولياً وأخيراً, فلربما تكون تلك هي المحادثة الأخيرة : إنني كاذب, حيث أنه لا شئ من هذا كله يخصُّ أحد غيري. أي أن محاولاتي (اللغوية) لإلباس حالتي لباس الحالة العامة المُنتشرة كي أجعل كلماتي تمدّني بالعزاء والسلوى هي محض محاولات ضعيفة وغير أخلاقية. حيث أن الضمير الساديّ الذي خلّقته الظروف البسيطة المحيطة بالتحالف مع نفسيتي العجيبة يفضح تلك المحاولات الغير أخلاقية (ولكنها البريئة على أي حال, كآخر قتيل على سفينة التايتانيك الذي أوجد لنفسه أمل النجاة!), بل ويضحك, الضمير الساديّ القاسيّ ذو تلك الإيطيقيا القهرية القروية الأبوية, يسخر منّي بكل غطرسة. إنها حرب على أية حال, وإنني أفضّل تجنبيك سيناريوهات طويلة يُمكن أن تؤذي بساطة تمارين الضغط التي تُمارسينها كي تجعل نهديك مُستديرين, بل وربما تسخرين منّي (وفي تلك الحالة, سأموت مرة إضافية, ولكن ما الجديد؟؟) على هيئة : هيي, توقف عن الكآبة, وتوقف عن الكلام الكئيب....
  أو تكون على هيئتي أنا.
  أيتها اللعوب, أُخرجي على التلفزيون وقولي بلهجة هتلرية : فليتوقف كل مريض عن إيذائنا بوجوده, فلتذهبوا إلى الجحيم, فليموت الجميع ولتبقي أيدولوجيتي العادية المحليّة الفانية... وسأقوم أنا من بين الحشود لأقول : أننا يجب أن نأخذ كلامك على محمل الجدّ. ثم أدير وجهي للحشود التي خرجت منها لأقول لهم : هل فات جميع المرضى أنهم يودّون أصلاً الرحيل؟؟.
   حسناً, لابد أن ألتفت الآن –وبشكل جدّي- إلى قطتي. إنها تبدو مريضة وتتنفس بسرعة وتنام أضعاف الوقت العاديّ. يجب أن  أتوقف عن وضع الكائن البشري مركزاً للكون.
   تسلسل...... ها, نحن نتكلم عن العمر, الشباب ربما.... وتسلسل الأحداث الغير منظمة, حيث لا يستطيع أحدهم أن يجد الجاني أو المجني عليه. يمكن بمنتهى البساطة وبدون أية ضجة إعلامية أن تنتهي فعالية شخص ما, بل إن انعدام أي ضجة حول الأمر هو ما يثير الجنون!!. طريق رُسِم وطريق آخر وُلِد وأخذ كل منهما يزاحم الآخر, يصارعه, ثم يَصْرَعُه. المشكلة أن تلك الذوات المُخلَّقة بدواخلنا يُمكنها أن تموت أكثر من مليون مرة.  والمشكلة الأكبر تكمُن في تلك الأختلافات الغير عادلة. الجميع يتكلّم دون ان يقولون شيئاً : الاختلافات مصدر للثراء. الاختلافات مسائل ذاتوية. الاختلافات لا وجود لها. الاختلافات سنّة الحياة بين الشخص والآخر (حتى أن العالم الجديد توقف عن القول "بين الأخ وأخيه") وهذا هو تعريف ذلك الـ...."عبث" الذي حاولت أن أحدثكم عنه سابقاً..... لكن,,  كَبُر الألم, جميعكم تعلمون ذلك الألم الذي ينخُر في صدري منذ أن وعيت, أبعد ما يمكن أن أتذكره في سن التاسعة, أول إخفاق, يا إلهي, كنت .... حسناً, فلنتوقف هنا. حكي الأمور الواقعية أمر ممل لأبعد الحدود, أتعلمون ما الأكثر مملاً وانحطاطاً؟ هو رد فعلكم على كل سرد واقعي وحدث حقيقي ...
  تستطيع الآن أن تنام لتتجنّب شكل الغد.
  الكذب فن واسع لا حدود له, يبدأ بالكذب من أجل ماء الوجه, وتتوسع رقعة "ماء الوجه" في الضمير –الأنا- -أو ذلك الضمير السادي الذي كلمتكم عنه, لا يهم, كلها مخلوقات باطنية مُشوّهة- حتى تُضحي أكبر من الشخص نفسه, وبالتالي, الصدق سيكون الفعل الشاذ الذي يدعو للتأمل والكتابة, والكذب سوف يكون حارس الوجه الآخر, الشخص الموازي الذي بدأت تخليقه منذ أن ..... منذ أن أخفقت وحصلت على المركز الثاني. منذ....... منذ الإخفاق الأول.
  كثير من الأشخاص بداخلي, تمت صناعتهم بطرائق مختلفة. أحدهم من خلال البيئة, والآخر من خلال الكذب, وغيره من خلال الإعلام, وآخر من خلال الثقافة, وآخر قويّ صنيعتهم هم وإرادتهم هم. وفي تداخل كل شخصية مع الأخرى تحدث الآلام وخيبات الأمل والإخفاقات, بل, وتتداخل المعايير وتصبح مشوشة للغاية وغير معلومة وغير مرئية, بل, وتتداعى كل المُثُل والمعايير ولا يصبح شيئاً جدير بأن يتم التمسك به أو تقديسه, وشيئاً ما يعبث بحياتي, التي أبحث عنها يومياً. تعويم الثقافة.. تعويم المجتمعات.. تعويم الجنيه المصري.. التشيّؤ..
  لم أجدها, وتعبت, تعبت حد أنني لا أستيطع التنفس الآن, ولهذا السبب أريد أن أغلق الهاتف وأنهي المكالمة, حيث أن تلك الرقعة التي لا أستطيع فيها التنفس اتسعت حتى شملت كل وقتي, حتى وقت الليل, أختنق, أختنق في أحلامي أيها الناس, وبما أنني مُطالب بتفسير شيئاً مما أقول, فإنني أختنق أكثر فأكثر, لأنني كما قلت لكم سابقاً, أشعر بالخجل من شئ كهذا : من الحكي. وبذلك كله, سوف نستطيع القول بأنني لا أحتاج ناشراً كي يطبع تلك الكلمات على جيل مُغفّل وجيل مُعقطّع وبعض المتثاقفين السعداء, ولكنني أريدُ أحدهم أن يطبع تلك الكلمات إلى طبيب نفسيّ أو مشرّح له فلسفة يستطيع أن يتمسك بها وآداة فلسفية يستطيع أن يستخدمها وأن يثق بها جيداً.. لا تذهبواً لماكس فيبر, إنه فاشي نازي صادق... هذا هو, أنسوا الأمر الآن, أنا في منتهى الصحة والعافية على ما أبدو.

  لولا, إن ذلك الضمير الوحش المفترس السادي المشوّه المُخلَّق الذي بداخلي يقتلني.. يقتلني في كل شهيق وزفير.. يا إلهي, سأموت من الألم إن لم أنتحر الآن بنفسي!. لولا, لا يجب أن أغلق الهاتف الآن, أين أنتِ؟؟ أين الجميع؟؟ وحدي! حسنٌ, أنا في منتهى الصحة والعافية. الحمد لله.

2‏/11‏/2014

أنا أشعرُ بالخجل



  إنني أشعر بالخجل الشديد, وإذا ما بادرني أحد أعضاء الدائرة القريبة مني بالسؤال المُهين "مما تخجَل؟" أشعر بالإهانة والخجل معاً. وفي الحقيقة, أنني لم أمارس هواية الكتابة منذ فترة بعيدة, والقراءة عندي باتت مشوشة للغاية, بحيث أنني قد نسيت الكثير من التراكيب العربية, الأمر الذي أفقدني القدرة القديمة على ممارسة الفضح الذاتي المستمر, التطهّر, والتبرير. ولكنني آتي اليوم لأقول, أني أشعر بالخجل, والفضح –في ثقافتنا- مُخجِل للغاية أيضاً. ولذلك –وأكثر- لم أعد أمتلك الأدوات اللازمة للتعبير عن ذلك الخجل. وان بادرت الجماهير بحقيقة : أن خجلي الذي أتكلم عنه مختلف تماماً عن الخجل الاعتيادي الصريح, وأن خوفي الذي يجعلني أهبط بسرعة الأرض إلى هوّة سوداء سحيقة بلا لون ولا ملمح مختلف تماماً عن الخوف الاعتيادي الصريح. لكن .... لكن أشياء كثيرة ولكن لا تهمّ.
  لقد سألتني أمس برقّة : مما تخجل؟؟ المهم أنّي حاولت التكلُّم عن عدم فاعلية الشخص أمام نفسه, وعن "الأنا الأعلى" حين يتحوّل إلى رقيب أكثر سادية من كل الآخرين, ولكن لساني غرق في الزّبد وتحشرج صوتي ووجدت الماء المالح يُغرق ............................... يُغرق ما يُغرقه, لا يهم ذلك أي حد, ولا يخدم أي قضية كبقية الكلام. المهم أنني عجزت في مُجمل المشهد أن أتكلم عن شئ, الأمر الذي حكم على بقية ليلي بالوحدةِ والألم. فمن الصعب على الفرد أن يعيش بين البشر بلا لسان, ومن المُستحيل على الفرد أن يعيش بلا أُسرة وهو في أسرة. وأنا أشعرُ بالخجل, الخجل من الواقع الحاصل حولي بطريقة (دوائر مور) والتي تعمل قواه بطريقة عمل المياه تحت السدود, أو خجل من الكلام عن تلك الأوضاع التي لا تهمّ أحداً في ذاتها, ولا تصيب الآخرين إلا بالملل في شرحها, والخجل الأكبر عُمقاً يأتي عندما لا يستوعب أحدهم معنى ذلك الخجل. وتتجلّى سذاجة نمط التفكير أمامي كأنها الحقيقة تُخرج لي لسانها وتبصُق في وجداني المتحذلق بالتعقيد الذي أعبر عنه بالخجل,,, خاصة عندما تُكون قد تُكلّفْت عناء ترتيب حالتك الشعورية لكي تقوم بالإفصاح عن ذلك الخجل وسببه الواقعي لا المُجرّد.
  أشعر إذاً بالغثيان. أجلس هنا فقط أنا وأبي في غرفة أوسع مما يحتمل خجلي. أقوم بحلق شعر ذقني يومياً, ولا تدركون كمّ الخجل العميق الذي يساورني وأنا أنظر للمرآة حين أمرر الشفرات لتمحو شيئاً أخجل منه, والخجل من درأ شيئاً عن الآخرين كل يوم, لأني طوال عمري وأنا أقوم بتعريف الرذيلة على أنها "كل ما نضطرّ أن نُخفيه عن الآخرين". فأُغمض عينيّ من شدة حُمّة صدري الخَجِل, فتقوم شفرات المواس بإصابة وجهي, يسيل الدم, أبكي بقوّة, أبكي بنوع من التفشّي.. الآن أشعر بالغثيان وجوفي خالي من أي ريق, وأبصق في الحوض لأرى وجهي بكل تلك التشوّهات على حقيقته على سطح اللعاب المشدود.
  إنني أشعر بالخجل عندما أقف مع زملائي, وأكتشف أنهم مواطنون صالحون عاديون, أي لا يُثار حولهم غير الكلام العادي الروتينيّ, أما أنا, وأنا في وسطهم, فيُثار عليّ كل ما هو غيرُ عادي, الأمر الذي يقلبني إلى نرجيلة بثغر كل منهم على مقهى قذر يليق بالطلبة العاديين. بل أشعر بالخجل من تفشّي سيرتي لمدى أوسع من مدى البرجوازية الوضيعة, ويعلم الله أني اعتدت الأيام الأخيرة التفكير العميق –الغير مُجدي- في سر انتباه من لا مصلحة له في أملِهِ بي.. أقصد أن الحقيقة الطبيعية تؤكّد أنهم لا يحبونك, في المنزل, في الشارع, منذ ولادتك وفي كل خطوة تخطوها, لا يحبونك كالحب الذي تعلّمته أنت بين نهديّ فتاتك, ولكنّهم يُحبّون أملهم فيك, أو شعورهم بالنقص الذي يأملون أن تُكمِلُه أنت لهم, لذلك, فاهتمام أهل القرية الواسع بأخبارك يثير الغثيان, والخجل : ما مصلحتهم تلك التي يأملونها فيك؟؟
أياً كانت فأنت قد خذلتهم. اخجل الآن بمدى أوسع.
  حسناً, سأقول لكم الحقيقة, إنني أشعر بالتعب, آلام مزمنة في الظهر, وآلام مزمنة بالرأس, ولتذهب آلام النفس للجحيم طالما هناك ما يؤلم جسدي إلى الحد الذي لا يجعلني أنام. والحقيقة هي أنني أشعر بالخجل من زيارة الطبيب, لأنني لا أرى حقاً لي في ذلك, ولا حقاً في إذلال البيت العائل في تحمل أي نفقات أخرى, وأرى أن الشكوى من الألم تُسببّ لي الخجل الشديد, هل من حقّ متعسّر في كل شئ بحياته أن يشكو من الألم؟؟ لا, حقّه وواجبه الوحيدان أن يعمل بأي دينامية وبأي ابن شرموطة كي يُحقق ما لا يعرفه حتى الآن, أخبروني ما المطلوب وسأقوم بتنفيذه فوراً؟؟؟؟؟؟
المطلوب؟؟ اتضح أنهم لا يعرفونه.
  طيب, أنا أشعر بالخجل لبلوغي ذلك السن الذي أخجل وأن أذكره. سأزيدُ على ذلك لأصارحكم –على خجل- أنني... أنني ,,,,, أنني أشعر بالخجل من تلك التجاعيد التي ظهرت بوجهي في تلك السنّ المُبكّرة!!. وأنني أشعر بالخجل جرّاء إخباركم ذلك الذي أراه في وجهي, لانكم في المرة القادمة التي سوف تقابلوني فيها سوف تنظرون لوجهي جيداً –أو اختلاساً- لتتأكدوا من ذلك , وسوف يكون الموقف حارقاً للوجدان, جداً....  أنتم تعلمون أن شاب مثلي من المفترض أن يكون صغيراً جداً على الهمّ, ولكنني اتذكّر يوم تسلّق الهم صدري وأنا في الصف الرابع الابتدائي, في فناء المدرسة, عندما كنت أفكر : كيف سأخبرهم أنني أخفقت وحصلت على المركز الثاني على مستوي المدرسة؟؟؟.. أنا متأسف, كل ذلك لا شأن لكم به, لأنني في منتهى الخجل وأنا أقول ذلك, حيث أنكم ستحاولون لوم أحدهم ممن هم حولي, ولكنني لم ولن ألوم أحداً. إنه نادي القتال..
لا..
إنه نادي ضرب الأموات حتى الموت.
  أحاول استشارة أصدقائي الذين أؤمن أن وجدانهم لن يرمقني بنظرة تُشعرني بالخجل إذا ما شكيت لهم خطبي وتحمّلوا ثرثرتي في تلك الأمور.. ولكنني أُمعن في التفكير, وأقوم بتركيز طاقة ذهنية عظيمة كتركيز الضوء على قطعة من الورق حتى تحترق. حتى أدرك أنني أشعر بالخجل من كل علاقاتي وكل صداقاتي, لأن أحداً منهم لم يفهمني, لأنهم وسعوا نطاق الطّعن, النقد في مجتمعنا خالي من الأصول, النقد في مجتمعنا طعن. وسّعوا دائرة "طعنه" لأنه حر, لأن هواء جناحيه يطالنا جميعاً, لذلك, فعاجلاً أو آجلاً سوف نوقعه بمعاييرنا, نطعنه, ونقول أنه لم يكن أبداً شخص محبوب, ونحن كنا مخدوعين إذا أحببناه, وإذا قدرناه, وإذا جُنّنا به يوماً ... كل علاقاتي ببنو الرمال باءت بالفشل, كلها محكوم عليها بالنهاية التعيسة للطعن...
  بل إنني خائف. ولا أحد يعلم مدى الخجل الذي يساورني إذا ما شعرت بانقباض غرفتي عليّ. الآنسان النبيل –أو الوضيع- يُمكن أن ترتقي حساسيته إلى الحد الذي تتحسس فيه الخجل من الجوامد, والغُرف بالأخص, حيث أنها تلك التي تُعايرنا إذا أتيناها ليلاً مرة بلا اختلاف أو إنجاز عن المرة السابقة, وضيق الأفق, وذوبان اتساع العالم في ثقب لا يستطيع جسدي أن يمر منه. ثم تواصلت مع أحدهم وأخبرته : "أنا خائف". ولو ذكرت الأمر بشكل مباشر لأحدهم لأخجلني بالسؤال : "مما تخاف؟!", ولكن المصيبة الحقيقة حينما ألقي خوفي عائماً على صفحة التواصل الافتراضي ولا يلتفت لي أحداً, ولو بلايك, أموت من الخجل, الأمر الذي يجعلني ارتمي وحيداً على دكة خشبية قاسية التوي على ذاتي فيها من الخجل ...
  علمنا الفيس بوك أن نعرض وجداننا كسلعة, تدرُّ الإعجاب والتعليقات. حسناً, سأغلقه للأبد.
  بل إنني أشعر بالخجل من وجودي معهم, آكُل وأشرب وأعيش كصرصار تعيس. أشعر بالتعب حد الظّمأ. أتعلمين : لم أعُد أستطعم كوب الشاي الذي أُعدّه لنفسي كل يوم في ذلك الميعاد. الحد الذي يجعلني أخجل من أن أقوم كي أروي ظمأي, وإن ظن بن قحباء ما أن  في الأمر مبالغة غير ضرورية لاستجداء الشفقة فسأحب أن أقول له : يا ابن الشرموطة, نحنُ مُختلفون حدّ تقطُّع الأوصال, وهذا الزمن الذي تتشدّق به لم يترك إنشاً واحداً للتشابه فيه مع آخر.. أنت أنت, حدود تعبيرك لن تتخطّاك, وأنا أنا, حدود هراءي هذا لن يتخطاني, ولكنني لا أكتب كنوع من الاستشفاء بالكتابة, ولكن أكتب كأحد أشكال القلق, آه, كقرقضة الأظافر.
والله يا سارة, بت أخجل من ألم صدري منذ تلك اللحظة التي شككتي فيها بحقيقته.. في الحقيقة, أنتي امرأة جميلة, ووضيعة حين يستدعي الأمر..
  أنا أشعر بالخجل أمام كُتُبي. رثّة يا عقلي الرث, قديمة للغاية, وقد مررت عليها قبلاً عشرات المرات, الأمر الذي يجعلني في منتهي الخجل من أن أكررها وأكرر نفسي أمامها,, إلى هذا حد وصل الأمر؟؟ الخجل أمام الجوامد؟؟

لدي حواجز نفسية تمنعني عن ذلك.
  يسمعان كل ألوان الموسيقى في يوم واحد.
  على كل غصن يلعبان برهة.
في النهاية, سيسيطر عليهما الخجل, وينسيان كل تلك الألوان إلا اللون المحلّي المُشرئب بالألم.
ياه, إن سكان العالم الخرب ذاك لو اجتمعواْ عندي بصيغة الأسف لن يقللوا تلك الحمية على صدري بمقدار درجة واحدة. ذلك الألم أن كُلي أصبح في وزن حشرة متطفلة, أو في وزن مجموعة من الحروف الأليكترونية التي تظهر  على شاشة مضيئة عند الشراميط, أحا يا اولاد الشراميط, أنا هنا, أنا لازلت لحم ودم, لازال صدري يؤلمني, ولازالت الحكومة تعتبرني طالباً يجئ  لمقراتها ويذهب, لازالت المواس تقطع بشرة وجهي الوعرة. حسنا, لن يغير ذلك حقيقة وزني عندكم, أقل من وزن حشرة, أقل من الصفر, ومدى تأثيري أصبح أقل من حجمي على كوكب الأرض.
ياه, إنني عاري تماماً عن تلك الجوانب المُظلمة التي يتمتّعُ بها مُجتمعنا الثقيل في فُجره, لكن, ربما يكن ذلك الفُجر الذي أتكشّفه حولي هو مرض عضوي بالطبقة البرجوازية الصغيرة, تلك التي تنتظر سُلّم العِمالة لبرجوازية أولاد الشرموطة, أو قد انضموا بالفعل بأدمغة بيضاء, لا تعِ ولا تهتم أن تعِ, لا تفهم ولا تهتم أن تعرف أن هنالك مجالاً للفهم. وعلى الرغم أن العُري لازمنا فترة كبيرة من التطور, إلا أنني مُثقلٌ بثقافة شخمة وعتيقة في مسائل الأصواف أمام الناس, والفُجْر بداخل الخِيام. إن مجموعة أبحاث تاريخية محترمة يمكنها أن تُفاجئكم بأن كل بني أميّة –حملة الإسلام الذي بين يديكم- أولاد زُناة. وذلك الخجل الذي يُساورني هو أنني لست معكم, كالطفل الذي لا يُمارِس التنمُّر على أطفال المدرسة الضعفاء مع أقرانه الأقوياء لأنه طيب القلب, ولأن أقرانه يعرفون عجزه عن مسايرتهم فينبذونه. سأقول لكم كم أن مجتمعنا قبييييح قبيييح من الداخل, وكيف أنه أفراده يمتلكون أدوات مُبهِرة كي يتحايلون بها على كل الأنماط, وكيف أن الشاب لا يُحب عائلته, وأن البنت لا تُحب التزامها, وأن الزوجة لا تُحب زوجِها, وأنها تتحيّن الفرصة كي تقهر المجتمع المتمثّل في صورته في ظهره, وتدفُع قضيب رجل آخر بقوة إلى رحمها كي تقهر فِكرة التزامها مع شخص آخر فُرض عليها. سأقول لكم أنني مفضوح, وأن الكثير ممن يحبونني قد لاموني على ذلك الفضح الذاتي الذي أُمارسه, لأن الكثير ممن يكرهونني قد استخدموا كل نبسة عني استخدام سئ على نمط الشائعات, وأنتم تعرفون كيف أن الشائعات لديها القدرة على الاتساع لمليون ضعف. لكن كل ذلك  قد زادني طُهراً وتبريراً ونظافة ..... وألماً.
 
إنني أشعر بالخجل الآن, وأفضح ذلك أمامكم بكل الخجل, لأني قد تطهّرت من ذلك الـ Dark Side, وأصبحت مُحمّداً واحداً مع الجميع, والجميع, أي نفسي أولاً, وأضحيت أقف في منتصف الحشود لأقول : ياه, أنت مريض في كذا وكذا, وياه لو  تمتلك السيولة المالية الكافية لكي تسافر هناك إلى تلك المدينة التي تحبها, وإلى المرأة التي تحبها, وإلى الشوارع والمقاهي والمكتبة والجامعة التي تحبها, وتمتلك رشفة من كل شئ وتعود لهم لكي تسدُّ حاجتهم هنا للفخر بك. ولأنني أقف وسط الحشود, ونفسي تنصت جيداً لي, وأقول : ياه, لقد وقعت منك قدرتك على تقدير الذات في مكان ما. ياه, أنت الآن تشعر بالخجل من ذاتك, أنت الآن صنيعتهم. بل لأنني إذا ما شعرت بحاجتي في البكاء يبادرني الخجل, فأقول على الملأ, بعد أن أصارح نفسي : هيي, أنا الآن على قدر عميق من الحزن, بل الألم الذي يوقد صدري براكيناً لا تهدأ, أنقذوني, وأنا أعرف أن أحداً لن يُنقذني, فانا وحيداً في فضاء البيت, وفي ظلامه.

أتآكل.. أتألم.. أبكي.. ثم أنام.


written by Muhamed Battikh


29‏/3‏/2014

القاهرة, كما هي



حسناً سأعترف, يبدو أن الأمر مثيراً بشكل ما, (تبدأ) الحلقة بـ(نهاية) يوم تعيس ومُتعب للغاية.
تعاسة الجسد و تعب الوجدان.
الجفون لا تقوى على الصمود, وبوادر التمرّد على الجسد الذي لا يقوى على تلبية حسيّته تأتي من مكان مُبهم.
إن كل الثورات تأتي من أماكن مبهمة.  لا, كل الثورات تأتي من نفق الحاجة. الاستمناء نوع من التنازلات المذلّة للغاية. التحدي يتصعّد بزقزقة البطن. يولج الليل بالنهار ويولج النهار بالليل, سيتم الاحتفال بآخر أكلة بالشقة, وسيتم طبخ الطعام على ضحكات عظيمة جداً : فقد حاولت أن أقوم بفتح الشقّة الرديئة ذات قفلها القديم رثّ بالـaccess card الممغنطة التي نستخدمها بالشركة.. ما أروع أن تتلاقى الحواس في احتفالية اليوم الأول للمؤتمر الأول للثورة على الجسد الغير محدد المعالم,, يا بشر, ليس هنالك أروع من المهام الغير مُحددة المعالم, تجاه الأجساد الغير مُحددة المعالم,, وهل هنالك دليل على الضعف أقوى من عدم وضوح المعالم؟؟ ,, يا أهلاً بالـ"حواس",, تماماً ورذاذ الضحكات يفور على حلّة الطبيخ يشبه تبادل اللعاب بيني وبين الأنثى. وطعم الطين الصلب, كطعم الاستحمام مع الأنثى بشكل عنيف غير مرتب, لا يُذكر منه إلا الوجدان "الغير مُعرّف بالمعاجم", وبعض التفاصيل التي تتعلّق بالضحكات التي لا تُعرّف الوجوه حينها إلا بها.
القاهرة بلد غريب, غريب عن كل شئ, المهم أن أي حسيّ سيدرك من اللحظة الأولى التي يشتم فيها هواءها القذر أنها أغرب نقطة عن الأرض, والجسد, والدم,,, وانها أول بلد تقتل الجنس والحسّ والاهتمام,,, وأن أهلها ليسوا مغفلين بالقدر الذي هم فيه متمنيكون,, أناسيّ على اختلاف طبقاتهم, شرائحهم, هيئاتهم, شرمطتهم : يتفقون على أن ما نريده شيئاً, وما يجب وأن نفعله شيئاً آخر. وأنا ماء الرجال شئ مُهين, لابد أن "يكتمل مسلسل إهانته" بإسالته خارج رحم الأنثى. في القاهرة, لا أحد يأتي على سيرة الكس إلا عند الشتائم!!
أو كيف تبدو حيوات البشر بدون كسّ يفخرون به, يقبلونه, يكرّمونه فوق كل القرف الآخر المتبقّي؟؟؟
إنها تبدو مثل حيوات من بالقاهرة.
يُمكنك أن ترى بلاداً مليئة بالمومسات لا العاهرات. في القاهرة : كل النساء عاهرات, والقلة المُندسّة الشريفة : هن مومسات الشوارع القريبة من الجامعة. تلك العاهرة التي تفصل بين وقت العمل ووقت الدراسة لابُد –لو كان لهذا الكون ربٌّ يتحلّى بقطرة من ماء الوجه- أن تعيش لألف سنة,,, ولو كنتم مصرّين على أن الله هو الله ذاك, فسأصرّ على ان الله اللهكم خَرِفٌ خارج إطار الحقيقة : أوكيف يُمكن الثقة في بشر لم ترتمي أجسادهم ارتمائة حرّة على لحم امرأة؟؟, أو كيف يمكن الثقة في بشر لم يخضعوا للتطهّر التام بريق حرّ من مانحة للحب؟؟ جـ: يمكن الثقة بهم من خلال حقن الصدر بمحقن سام للغاية لكل خليّة حيّة لا تزال بروتيناتها قادرة على حمل ذرة وجدان واحدة.
التوثيق باب هام : يوسف شاهين : زحام الشوارع – عمالة الجنوب المُفقرة المثيرة للغثيان, ذلك النوع من غثيان الشعور بالذنب "المُبهم" – لحم لوسط -الشافي المُعافي خير من دُعاء المؤمنين ذو الصيغة الاستمنائية- لراقصة في كباريه بالميرا –
دوري لو سمحتم : سميراميس فوق العشوائيات – عربة الفول تحت تليبيرفورمانس – وجبة الهارديز على باب مترو العتبة و : حمار ميت على باب الترجمان, وصبيّة لا تكترث لرائحة دورتها الشهرية وسط مئات من الزملاء ... الخطيئة الوحيدة هنا ليست في أننا لم نغنّي لها,, ولكن : لأن أحد لم يهتم.
هل اختلف شئ؟؟ أنت في سط البلد هل اختلف شئ؟؟ حبايبنا في المنوفية : هل اختلف شئ؟؟ , شباب النادي البحري بسوهاج : هل اختلف شئ؟؟ لا, لم يختلف شئ,, أرجو إرسال تقرير مفصّل للسيسي مكوّن من تلك الكلمات : لم يختلف شئ.
لقد قتلت القاهرة آخر أمل في آخر نيكة حرّة لبشريّ على وجه أرضها. لقد قتلت القاهرة كل العاشقين الذين كانوا يصنعون من رعشات أجسادهم روايات ويُلقونها من على كباري غمرة و6 أكتوبر والدائري, وبار كب دور,, وتركت من يفلقون رؤوس الفارغين أمثالنا –مُبتاعي الروايات- بفول الشوارع والتحرّش البرئ.

22‏/1‏/2014

ضد الأبيض, وضدكم

نصف من يصل إليهم ما أكتبه هنا لا يقرأونه... أتغاضى كل مرة عن شعور الرفض الذي يسيطر عليّ من كل البشر, مروراً بالكائنات اللطيفة الأقل تطوراً, إلى المباني الصمّاء التي لا تتكلم, فتثير فيّ شعور الرفض من تجاهل مروري من أمامها ,,, هه ,,, هكذا,,,, أتغاضى عن ذلك الشعور (المصنّف كمرض عصابي) , وأرضخ لشكواهم من اللون الأسود الذي يغلف كل شئ في المدونة,, الحروف,, الصور,, وحدود المدونة التي ترفضها (بنفسها) كل مرّة,,,

وأتسائل, بلا أية محاولة للاستغباء: ما بالكم بالأسود؟؟ ما هي مشكلتهم معه؟؟ هل الموضوع فعلاً هو انقضاضه على عيونكم الرقيقة وإيذائها؟؟

منذ متى والعيون العربية رقيقة؟؟ , لقد تشبعت بمذابح لا قبل للتاريخ المغشيّ على نهود أحداثه بها ,, تشبعت بالقهر الغير مبالي,, بالخوف الذي لا يلتفت إليه أحد,, بالقهر الذي حفظته الأرصفة من العيون التي تتوه في بث تأزمها الغير مفهوم فقط على طبقاتها, وحبيبات ركامها الدقيق المطليّ بالزفت.

اسألواْ عربياً, ما شكل الرصيف؟؟ ستجده يسرد لك تفاصيل لا يعرفها غير مهندسي الطرق النشطاء.

هل هو خوف دفين منكم تجاه الأسود؟؟ هل هي عادة أمهاتنا وأقاربنا في ارتداء الأسود ومن ثم فض عذرية اللعب تحت الشمس, وشغف كل الأشياء الجديدة التي نكتشفها, بالعويل, والصراخ, واللطم, وتلك الحالة الجحيمية, بحقيقة الفناء؟؟؟
تتأففون من الأسود وكأنه خلق لغير العرب!!
تهربون من ذواتكم بالهروب من الأسود, الذي هو جوهرها.
تعكسون شعوركم بالرفض من خلال رفضي أنا, ورفض ذلك الأسود..

أنا لم أضع الأسود, أنا فقط أشعر به, واستطعت من وراء الجدران, ملايين الجدران, أن أسرّب رسالة مع ذلك الجندي البسيط, من رَحِم عفويته المُتربة التي شعرت بي, مفادها أني موافق على افتتضاح ذاتي, وعلى التقرير على ذلك الأسود,, وعلى عدم رفض فرضيته على ارضيتي,, وعلى عدم رفض شعور رفضي...

مباركة لكم الآرائك المريحة
وأجهزة اللاب توب
وتمارين الاستمناء
واللون الأبيض.



13‏/1‏/2014

استيقظ



(*)

ماذا هناك؟؟
لماذا استيقظ بهذا الشكل على الرغم أن أحداً لم يقلب أطرافي ولم يجذبني منها كشكل من أشكال التأفف من حالتي النائمة؟؟

استيقظ بدون فزع بعد انقضاء اللحظات الأولى. وحاول أن تغمض عيناك للحظات كي تفكر بشكل أوضح من غيوم الموت الأول:- ما الذي لا يزال يدور هناك بعد, ولم يستطع موتك الأول أن يهرب منه, أو يهدّ من غطرسته؟؟

ها هي نفس تلك الحلقات تعود من جديد, ارجوكي, اتركيني فقط إلى حين اغتسل قليلاً لأبدو أنيقاً أمام ذاتي المتضخمة, التي أتت كردة فعل تراكمية تجاه تكسيرك لمعنى "الأنا" فينا,, اتركيني بعض من الوقت, لكي أشعر, أنه لا يزال هنالك المزيد من الوقت.. اتركيني بعض من الوقت, بلا تفكير بلا معاناة من ألم الهروب.

ماذا هناك؟؟
الطفلة "طماطم" تطرق باب غرفتي لتقدم لي بعض عطاءات الأم الكبيرة. عيناي الهزيلتان على أطلال الآمال المُهدّمة, أو المُتعبتان من مراسلات الدوائر المتنازعة بداخلي, لا تجرؤانِ على أن تخلط صورة الطفلة البريئة الخالصة بكل الشرور فيها. تتحاشى النظر. أزمجر في الطفلة كي تخرج؛ حتى أنها لا تأخذ الفرصة لتُكمِل مهمّتها القصيرة.

انتهت المهلة الآن, هل استوعبت ما الذي كان يحدث ها هناك؟؟ , ومن الواضح, أنه لم ينتهي, وينتظر معاودة المباراة المبتذلة معك .. أنت تقوم بالكثير من النشاطات في آن واحد, لقد قالت لك ذات الريق الحسن "هذا جيد, لأن الفراغ يقتلك"؛ ربما لا تعلم هي بشكل كافِ, أن الفراغ هو المادة الشخمة لتكويننا البلاستيكيّ العولميّ الحديث, وأنه لا يمكننا ببساطة رصده لأننا لم نتعرض لضوء مؤثر مختلف. الأمر أننا لم نفكّر لحظة في تلك الأرض التي نقبع عليها, نوعية الأساس, لم نسلط الضوء على ما هو خلف مظاهرنا المختلفة, التعِسة أو المبهرجة على نحو غير مفهوم. سيأتي الآن جبراً السؤال الأهم : "أأنت موجود يا مستر جونز؟؟".

ههههههه, أنا الآن اضحك ضحكة صفراء في منتهى الخبث والرعب. عليكم جميعاً. لأني, وأشك أني الوحيد من الخمس مليون حولي, الذي استطاع  أن يبكي في مكانه الضيق في الميكروباص, عندما زعق -بكل ثقة- محامي شركة C.C. العالمية للأطراف والأجزاء الآدمية لقاضي المحكمة :- "لا, لا يا سيادة القاضي, إن ذلك الماثل أماكم الذي يحدثكم  كاذب, لأنه لم يولد بالأساس, وليس موجود أصلا ً." علمت فوراً أننا ربما لم نولد بعد, ولسنا موجودين بالأساس.. أيستطيع أحدكم أن يثبت العكس, أو شيئاُ غير ذلك؟؟ هه. لا.

استيقظ من الشيطان. لأن سيرته أتخمت شبق الشيطنة لهؤلاء المحبوسين في ذواتهم,, وصورته ابتذلت من كل الأطراف, لأن الشيطان ليس طرفاً واحداً, ولا انحياز, هو الحياة في سكونه, هو آخر طريق للعيش حينما يطلق نداءه للتمرد,, كل صباح,, كل استيقاظ من عتمة الحلم, والهلاوس التابعة.

على المقهى يمكننا أن نتساءل, بصوت خافت, او ثورة مذعور (خافتة أيضاً)؛ لأننا نعلم أنه ليس هنالك المزيد من الوقت,, أو ربما –إن كان هنالك ما يكفي من الأوراق النقدية في جيوبنا لتشعرنا أنه لا يزال هناك المزيد من الوقت للتفكير بعد الاستمناء بشكل جيد- ,,, فيمكننا التساؤل ببسمة الارتياح, أو قَبول التفاؤل : ماذا يتبقى لنا كبرجوازيين صغار في اللاأرض, اللامشروع, اللاوطن أمام اللاهويات التي لا نعرفها؟!!.

صديقي, اعطني خرطوم النرجيلة, ودعني اصارحك بكل صدق, أن الكلام عن السلام مع أصدقائنا المُبعدون والذين لا نراهم إلا عبر الشاشات مُدبلجين إلى كلمات إليكترونية أصبح مزحة ثقيلة الظل, بل, الكلام في حد ذاته عن السلام المزعوم, المُبتغى من طبقتنا الوضيعة, أصبح مدعاه للاكتئاب!!. هل قرأت يا صديقي من أرفف مكتبتك الروائية يوماً عن "مُكتئبي حديث السلام"؟؟
إنهم نحن, والزمن: زمننا, والتشخيص: صعب للغاية, لأننا لا نستطيع إلى الآن أن نرى البقعة كاملة, أو الأساس –إن وجد- الذي نقف عليه.

صديقي, خذ خرطوم النرجيلة وهيا بنا, لقد مر فراغ اليوم "بسلام".

(**)

ألم تتذكر ما كان يحدث في فضاء خلاياك العقلية قبل أن تنام إلى الآن؟؟ هل استرجاع تلك المعلومات صعب للدرجة التي تمنعك لساعة ونصف من أن تقوم إلى بعض المياه على وجهك؟؟ ,, لقد صدق ذلك الذي اقرأ له وأنسى اسمه –الذي بالكاد ألحقه- كنوع من ندالة الطبقة, عندما قال في كل موضع, بالسنة الأخيرة من حياته : بؤسنا عقلي؛ جهدنا عقلي؛ ألمنا من العقل وإلى الروح.

تسألني مريم كل صباح : متى ستنتحر إذن؟!!, لقد توافرت فيك كل الشروط النبيلة لذلك, الوعي بالذات, كمجموعة من الذرات تبحث عن نفسها, وقد وجدت ما يفعم منطقها بالحدس.. القدرة على التقرير التي كشفها فينا عمانويل كانت, وشعور الغضب..
لكن, لحظة, لا, شعور الغضب هذا شعور حيوي للغاية, يمكنه إنجاز الكثير غير التواصل المبتور, أو الكتابة للاشأن. استيقظ, استيقظ الآن, وتوقف عن ابتذال الحلم.

سأعترف إذن : أنا وقح بالشكل العميق الذي يمنحني ابتذال الحلم كل يوم بلا كلل,,, بل, وأضيف عليه يومياً نكهة الاستمناء. لكن الحكاية لم تنتهي بعد : هل تذكرت شئ بعد مما كان يدور في فُلك عقلك قبل أن تنام, لتدور أنت في فُلكِه قبل أن يقتلك الفراغ؟؟

(***)

كل الألوان اختفت. وأنا هنا لا أقول ان كان ذلك مدعاة لمصمصة الشفاة, أو مدعاة للامبالاة, لكن فقط من منطلق أن كل الأمور تحدث؛ فلم يتبقّ في غرفتي إلا الرمادي. خوف الغد و شغف الحُلُم تحوّلا إلى انقباضات قذف السوائل الجنسية,, أريد أن أبعث رسالة للدكتور Noam Shpancer, كي يضع في بحثه عن الجنس تلك الفوائد العظيمة الأخرى التي لم يلحظها, لأنه, لا يعيش في وطنا العربي.

هييي, تذكرت, كنت اترجم قصاصات من كل مكان,, أبحث عن منح,, أكلم ذوات النهود, لأن نهودهنّ تصيبني بالتفاؤل الغير مشروط,, واترك فزعي ورائي و مهمتي المؤجّلة, كطفل يجتذبوه لكي يدخل المدرسة في اليوم الأول, وهو, بشكل من الألم, لا ينظر حتى ناحية المدرسة, بل يُغمض عينيه, أو يوجههما للجهة المقابلة.

و.....

وأوركيسترا Berlin Philharmonic تصدح.

-         لكن, لا أحد حولك هنا!!
-         هذا صحيح, لكن لماذا تتعمدين فضح فزعي بمجابهة أهرب منها؟
-         أنا فقط استمتع بذلك.

وفي النهاية ؟؟
  هل تعتقدون أني مُعقّد؟؟ مُشتت؟؟ لا أهندم كلامي قبل أن يصيب جذوعكم التي فقدت الاحساس؟؟.. حسناً أنا أنا, مصيبتكم, ناتج وجودكم, وكنزكم الذي تبحثون عنه (بشروط). أنتم, إذا ما أردتم معنى آخر, من يحتاج إلى الإجابة على هذا السؤال : "لماذا حقاً يلعب الله النرد؟؟؟" , ثم حاولواْ أن توقفواْ جنونه قسراً عن هذا العبث.


Muhamed Battiekh

BABEL