9‏/6‏/2015

رسالة إلى صديقة حمقاء : أن يكون الآخر عُصابياً

  صديقتي الحمقاء جداً ....  

  أما بعد, فإنني قد وجدت الوقت والراحة والصفاء كي أشقّ جوف الليل لأتقيّأ لكِ كل شئ كان هنالك بيننا. من باب أن هنالك شئ في هذا العالم يسير بشكل عادل. حيث أنني لم أفلت تلك الليلة من عدة جيوش من الناموس لا تقل عدداً وتسليحاً عن الجيوش التي دخلت برلين في عشية زواج جدي الثاني.
  وقد قبعت في مكاني (الذي تعرفينه) ستة عشر ساعة كاملة لا أجد شيئاً تحملني أخلاقي على القيام به سوى النوم والاستمناء.
  ولكنني على كل حال بدأت أفقد السبب الأخلاقي الذي كان يحملني على النومِ حملاً جميلا؛ وبدأ النوم في عملية تحوّل تدريجية إلى خانة تلك الأمور المُغالية في واقعيتها للحد الذي يجعلني لا أقبلها ولا أستطيع –بالتالي- التعامل معها.
  ثم بعد كل ذلك الهراء اليوميّ ونفاذ كل المحاولات التافهة الجادّة لقضاء وقت يليق بإنسان قديم, لم أجد شيئاً أشد وضاعة من أن أكتب.
  وعلى الرغم من أنني أُقدّس بشدة قدرة الإنسان الخارقة على التدوين, وبنيانه لماكينات مجهزّة بطرق مختلفة للسفر عبر الزمن بأبعاد مختلفة من خلال الكلمات, إلا إنني بالفعل أجد كتابتي أمر وضيع, الأمر الذي قادني إلى مسار لذيذ :-
  وهو أنني مزقت كل كلمة جادّة ونبيلة وحقيقية قد دونتها عن حياتي, وقررت أن انشغل بكتابة كل ما هو وضيع وعابر وقويّ في احتلاله تلك المرتبة في وجداني.
  وقد لا تعرفين أن الحضارة بدأت من عندي, نصف ساعة بسيارة ذات حالِ ميسور ونصل إلى "أبيدوس", حيث جرت أول عملية تدوين للكلمة في التاريخ.
  وكي لا ينام ضمير العالم بارتياح, لابد أن تكوني على علم بأن وسيطاً في هذا العالم كان قادراً على نقل وحمل وإرسال واستقبال مشاعري من وإلى كل أنحاء المعمورة لم يوجد ولم يتوفّر, إلا الكلمات.
  ولذا, فأنا مدينٌ فقط لعملية نشأة الحضارة, تلك البداية الساحرة, الكلمات, وليس لأي شيئاً آخر, ولا للحضارة نفسها. على أنها هي التي اصطنعت بعد ذلك كل الألم الذي نحمّله للكلمات الآن...
  ولكي تكون لديكِ الصورة في أتم تصوير, فإنني أيضاً أبحث منذ مدة عمّا إذا كان ما دونه أجدادي في أبيدوس, ناحيتنا, ناحية البر الغربي للنيل, في أول مرة كان شيئاً جدياً وحقيقياً ونبيلا؟ أم أن سليقتي المصرية البضّة لم تُخطئ كعادتها, وأن تدويناتهم كلها قد كانت فقط عن كل تلك الأشياء الوضيعة التي نتجاهلها بغير نزاهة في حياتنا اليومية؟؟..
  بل وسأزيد على كل ذلك, بأنني قد ساهمت لمدة كبيرة في خنق ذاتي وحبس أنفاس التطلّع لكل تلك التفاصيل المضحكة في حياتي بإقحام منطقي في بذل مجهود قاسي كي يقوم بفرز الأحداث على النحو التالي:-
 ما الذي يستحق أن أتكلم عنه, وما الذي لا يليق بهذا الشرف؟؟
  وقد وجدت أن الكلام الجديّ سخيف للغاية, بل إنني وجدته أشد بروداً من ذلك, وجدته كلاماً ساكناً لا يتحرك ولا يتغير لونه,, فتخيلي يا حُلوتي, أن تقومي أنتِ بكتابة نصوص ميتة بهذا الشكل, لا تستطيع أن تغير لون أول حرف بدأت به, وليست فيها من الحياة الوضيعة (الواقعية) ما يثير كلماتها ويجعلها تتحرك أمام أعين (القارئين).
  الإنسان يحب الحركة, والميت فقط هو ما تتجمد رأسه نحو سطر واحد. ولذلك, فإن وضاعة شأن كل ذلك الذي كان بيننا, وتفاهته المفرطة في الحركة, ولا معنى كل ما حدث, من أفضل المثيرات التي تُفضّلها الحروف, ويُفضّلُها القراء. ولذلك, وأكثر, فإنكِ ربما لا تستحقين أكثر من جلسة واحدة لا تستمر لأكثر من ساعتين للكتابة عنكِ...
  وعلى الرغم من تأكيدي على وضاعة كل ذلك الذي كان بيننا, إلا إنني أعترف أن موقفين أخيرين فقط ساهموا في إصابتي بشلل عقلي لطيف, حيث أنني أدركتُ أن الأمر كله يدور حول "سوء التربية". وأن "الأطفال" لا يُمكِن أن نتحمّل في علاقتنا معهم, بل إن الأطفال كائنات مباشرة وغير دفينة...
  إن الطفل إذا ما أحس بأقل قدر من الإهانة أو الخوف لطَفِقَ بالصراخ أو بادر بالبكاء, وإن منبع مصداقية الطفل يأتي من سرعة تجسيد وجهه لانفعالاته ضدك, وبالتالي, فلو كنتِ طفلة لكان الأمر أشرف من تلك الوضاعة التي عاشرتها معك في آخر مرتين. لقد كُنتِ لئيمة للغاية, ولو سألتِ مليون شخص نبيل ما هو أشد سلاح يُمكن أن يطعنك به شخص ما سيقول بسليقته العفوية بلا تردد: اللؤم.
  واللؤم عندك في انعدام قدرتك على المواجهة, لا, ليست المواجهة, إن الضعف يُمكن غفرانه أو تفهم ظروفه إن وجدت, ولكن انعدام قدرتك على الصراحة لهي طفولة مقززة في هاته السن,, ولأن الأطفال هم عبارة عن كائنات لا يمكن توقع انفعالاتها أو التحكم فيها, لأن الدخول معها في مسألة عاطفية هو محض إيقاع للذات في تهلكة الاضطراب, فأنتِ طفلة من الصعب الإلمام بطبيعتها,, وذلك لأنه ليس لكِ طبيعة من الأساس, الأمر الذي جعلني أدخل على صفحتك على الفيس بوك, وأحبس أنفاسي وأنا أقرأ كل كلمة عندك, استشعر اضطراب لا معنى له , بل, لقد استشعرت اضطرات هذا العالم المخيف, وتسامحه مع كونه مسخاً, وتقيأت , ثم , ضغطت على زرّ البلوك, وتنفست أحلى وأطعم نفس قد تخلل ثنايا رئتيّ.....,,  حتى إن لسانك لم يتحدث إلى شئ بداخلي, بل ولم يظهر لي قطّ. وأن أعتقد أن الأنثى التي لا يظهر لسانها ليست أنثى بالأساس, وإنما تركيبة بيولوجية معينة, وهذا صحيح!.
  تسرقين الموقف كله لحسابك!! تفهمين ما تفهمين, وتتخذين موقف كامل, تضمريه في وجهك ليتحول بالعبوس إلى لوحة عالمية من  خراء الشعوب على مر التاريخ, وتنتظرين من الآخر أن يفك ألغاز ذلك "الخراء" المرتسم على وجهك, ثم, يتضرع للغفران. إنني لن استمر في النقد أو وصف تلك السذاجة التي عرفتها فيك, ولكنني سوف أقول ما يُلخّص الأمر كله وهو أعظم ما يمكن التصريح به عن كل ذلك الذي كان: وهو أنكِ عديمة الفلسفة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اللي انت عاوزه

BABEL